ان مرحلة التحقيق الابتدائي هي المرحلة الاولى في البناء المؤسسي للدعوى الجزائية والتي تبدأ من عملية جمع الادلة ومن ثم السير في التحقيق بغية الوصول الى المراحل النهائية في التحقيق , اذ قد تتشكل قناعة لدى قاضي التحقيق المختص بعد اكتمال التحقيق بوجوب احالة الشكوى الى المحكمة المختصة , او انه يجد ان ان الادلة التي توصل اليها غير كافية فيقرر الافراج عن المتهم واخلاء سبيله . وفي اثناء هذه المرحلة , الزمت النصوص التشريعية فضلا عن احكام الشرعة الدولية لحقوق الانسان – الاجهزة التحقيقية – بلزوم توفير الضمانات المطلوبة للمتهم منها : -

- اولا –

القبض على المتهم

نصت المادة التاسعة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على ( لا يجوز القبض على اي انسان او حجزه او نفيه تعسفا ) , كما ان ( لكل فرد حق الحرية وفي الامان على شخصه , ولا يجوزتوقيف احد او اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان احد من حريته الا لاسباب ينص عليها القانون وطبقا للاجراء المقرر فيه ) المادة 9 /1 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية , من المعلوم ان العراق صادق على العهد المذكور بالقانون رقم 193 لسنة 1970 المنشور في الوقائع العراقية 1927 في 7 /10/1970, فضلا عن ان قانون اصول المحاكمت الجزائية اعراقي نص على : ( لا يجوزالقبض على اى شخص او توقيفه الا بمقتضى امر صادرمن قاضي او محكمة او في الاحوال التي يجيز فيها القانون ذلك ) المادة 92 من القانون المذكور . ويجب ان يتضمن الامر المعلومات التي يتطلبها القانون. وتتوج تلك النصوص بالنص الدستوري الذي ينص على : – (لا يجوز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي) .

ان القاء القبض هو اجراء غير عادي كونه ينال من الحرية الشخصية التي كفلها الدستور , وقد وردت عليه تعاريف عديدة منها : – (حرمان الشخص من حرية التجوال ولو لفترة قصيرة ) او  سلب حرية الشخص لمدة قصيرة باحتجازه في المكان الذي يعده القانون )  الا ان القانون قد بين الاحوال التي يجوز فيها القاء القبض على الاشخاص .

- ابتداءا لايجوز توقيف اي شخص او القبض عليه الا بموجب قرار قضائي , – يكون للمتهم حق الاطلاع عليه – وهذا يعني عدم الجواز لاي سلطة تنفيذية ومهما ارتفع شأنها ان توقف او تلقي القبض على اي شخص خلافا لما تقدم .

- استثاء مما تقدم يجوز القاء القبض مع عدم وجود قرار قضائي بالقبض  في الحالات التالية :-

أ – اذا كان المتهم قد فر بعد القاء القبض عليه .

ب – اذا كان قد حكم عليه غيابيا بعقوبة مقيدة للحرية او سالبة لها .

ج – ذا وجد شخص في محل عام في حالة سكر بيٌن واختلال واحدث شغبا او كان فاقدا صوابه .

د –  في الجريمة المشهودة , اي اذا شوهد  حال ارتكابه الجريمة  .

- اضافة لما تقدم يجب اطلاع المتهم على امر القاء القبض او التوقيف الصادر بحقه .

- ثانيا-

جواز الطعن بأمر القاء القبض

استبعدت النصوص القانونية القرارات الادارية والاعدادية او اي قرار يصدره القاضي غير فاصل في الدعوى من الطعن تمييزا على انفراد ويكون الطعن في مثل هذه القرارات بعد صدور الحكم الفاصل في الدعوى , باستثناء الطعن في اوامر القبض والتوقيف اذ يجوز الطعن فيها بعد صدورها بموجب حكم المادة 249 / ج  من قانون اصول المحاكمات الجزائية, كما ان هذه الضمانة تسري ولو كان المتهم هاربا ولم يتم تنفيذ امر القبض بحقه بعد , اذ بامكانه ان يثبت عدم مسؤوليته عن الفعل المنسوب اليه وهو خارج قبضة القضاء , وهذا  ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز في العديد من قراراتها .

- ثالثا –

الاستجواب خلال الاربع والعشرين ساعة

لما كانت الغاية من القاء القبض على المتهم هو ضمان وجوده امام السلطة التحقيقية لغرض استجوابه فعلى المحقق ان يبدأ التحقيق حال حضور المتهم امامه , ولا يجوز تأخير التحقيق مادامت الغاية من القاء القبض قد تحققت , وعلى القاضي او المحقق ان يستجوب المتهم خلال اربع وعشرين ساعة من حضوره وهذه الضمانة المحسوبة للمتهم اوردتها نص المادة 123 من قانون اصول المحاكمات الجزائية , والمستقرة احكامها في معظم التشريعات الدولية .

- رابعا –

الغرض من التوقيف

التوقيف ليس عقوبة بل هو اجراء احترازي القصد منه سرعة انجاز التحقيق وسلامته , والحيلولة دون هرب المتهم . اذ ان وجوده خارج الموقف قد تدفعه الى اخفاء ادلة الاثبات وتمكنه من الاتصال بشركائه في الفعل المنسوب اليهم ليتدارسوا سوية تنظيم دفاع مشترك , وقدرتهم على تهديد شهود الاثبات , لذا فأن وجوده في الموقف يحول دون تحقق تلك الافتراضات , عليه  فاذا ما انجز التحقيق فعلى القاضي ان يخلي سبيل المتهم بكفالة ,وهذا الغرض الذي قصده المشرع من التوقيف  يضاف اليه قصد اخر , اذ قد يصدر القاضي امر التوقيف بحق المتهم من اجل التخفيف من ردة فعل ذوي المجنى عليه وغضبهم من جهة وحماية المتهم من جهة ثانية .

- خامسا-

الاستعانة بمحام

ان واحدة من مظاهر التحقيق هو تمكين المتهم من الاتصال بمحاميه , وهذا حق كفلته الشرعة الدولية لحقوق الانسان واستقرت احكامه في التشريع العراقي كذلك , وان الاستعانة بمحام هي واحدة من الضمانات التي نص عليها المشرع باعتبارها حق من حقوق الدفاع التي كفله الدستور في الفقرة رابعا من من المادة 19 : – ( حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ),اذ ان للمتهم الحق في يمثل من قبل محامي ويكون له الحق على توكيل محامي , وفي حالة عدم قدرته على توكيل محامي فان المحكمة مكلفة بتوكيل محامي عنه يتحمل مجلس القضاء الاعلى اتعابه , وعل قاضي التحقيق حسم هذا الامر قبل المباشرة بالتحقيق , وقد استقرت احكام محكمة التمييز الاتحادية على نقض الاحكام التي بموجبها دونت اقوال المتهم من دون حضورمحامي او عضو الادعاء العام .

وان وجوب الاستعانة بمحام هو مبدأ دستوري نصت عليه الفقرة حادي عشر من المادة 19 : – ( تنتدب المحكمة محاميا للدفاع عن المتهم بجناية او جنحة لمن ليس له محام يدافع عنه , وعلى نفقة الدولة )  .

- سادسا -

المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانية عادلة

سبق وبينا ان التوقيف هو اجراء استثنائي الغرض منه مصلحة التحقيق , وقد نصت المعاهدات الدولية لحقوق الانسان المصادق عليها من قبل العراق , ضرورة معاملة المتهم معاملة خاصة تليق بكرامة الانسان وآدميته ,والتعامل معه بصفة بريء وليس بصفة مدان , وهذا مبدأ استقرت عليه النصوص الدستورية في العالم ومنها الدستور العراقي في الفقرة خامسا من المادة 19 والتي تنص على : – ( المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محكمة قانونية عادلة … ) ,هذا وقد بينت الامم المتحدة وفي وقت مبكر الضمانات المطلوبة للمقبوض عليهم الصادرة سنة 1955 على : -

أ – ضرورة الفصل بين الاشخاص الموقوفين على ذمة التحقيق والاشخاص الصادر بحقهم احكام قضائية بالادانة .

ب – يجب الاستجابة الى طلب الموقوف احضار طعام له من خارج المكان المحتجز فيه .

ج – للموقوف ارتداء ملابسه الخاصة به .

د – للموقوف الحصول على الكتب والجرائد وما يتماشى مع ميوله الشخصية وعلى نفقته على ان لا يشكل ذلك ضررا للمؤوسسة الموقوف فيها .

هـ – ان يقابل محاميه ويجري حديثا خاصا معه من دون سماع المشرفين على مكان التوقيف الحديث المذكور .

و – الحق في طلب اخلاء سبيله بكفالة   .

- سابعا-

ضمات المتهم في الاستجواب

تنص المادة  123 / ب  من قانون اصول المحاكمات الجزائية على : ( قبل اجراء التحقيق مع المتهم يجب على قاضي التحقيق اعلام المتهم بما يلي : -

اولا – ان له الحق في السكوت ولا يستنتج من ممارسته هذا الحق اي قرينة ضده ).

ثانيا – ان تدون افادته بطريق الاسترسال في الكلام , لا ان توجه اليه اسئلة شبحية وهي الجواب بنعم او لا , وبأمكان المحقق ان يوجه اسئلة للاستيضاح بعد فراغ المتهم من سرد اقواله .

ثالثا – لا يجوز اكراه المتهم على الادلاء باقوال تحت طائلة الاجبار المادي والمعنوي مما يعطل ارادته ويجعله يدلي باقوال لا تنسجم وحرية اختياره لاقواله , لان هذا الفعل يشكل جريمة على وفق احكام المادة 333 من قانون العقوبات التي تنص على : – ( يعاقب بالسجن او الحبس كل موظف او مكلف بخدمة عامة عذب او امر بتعذيب متهم او شاهد او خبير لحمله على الاعتراف بجريمة او اللادلاء باقوال او معلومات بشأنها او لكتمان امر من الامور او لاعطاء رأي معين بشأنها . ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة والتهديد ) و وقد استقرت الاحكام التمييزية على نقض الاحكام التي يقع فيها اقرار المتهم بالاكراه اذ قضت محكمة التمييز : – ( ولا يقبل اقرار المتهم اذا وقع نتيجة اساءة المعاملة , او تهديد … ) . كما ان محكمة التمييز قد نقضت حكم اخر لان اعتراف المتهم قد وقع بتهديده بجلب عائلته امامه وتعذيبها .

رابعا – لابد من تبليغ المتهم بما هو منسوب اليه .

خامسا – على قاضي التحقيق عندما يطلب منه المتهم عرضه على لجنة طبية لتثبيت اثار التعذيب على جسده ان يستجيب لهذا الطلب ويحيله الى اللجنة الطبية المختصة للاسباب المذكورة اعلاه .

- ثامنا –

عدم مناقشة الادلة

مرحلة التحقيق الابتدائي هي مجموعة الاجراءات التي يقوم بها قاضي التحقيق  لتهيئة ملف الشكوى لاحالته الى المحكمة المختصة وهي بذلك مرحلة تمهيدية , وحيث انها كذلك فان قاضي التحقيق غير مخول قانوا  في الفصل في القضية , وهذا يعني ان قاضي التحقيق غير مخول ايضا بمناقشة الادلة لان موضوع مناقشة الادلة امر تختص به محكمة الموضوع ( محكمة الجنايات او محكمة الجنح).

- تاسعا –

علانية المحاكمة وسرية التحقيق

 

تنص المادة 152 من قانون اصول المحاكمات الجزائية على علنية المحاكمة ما لم تقرر المحكمة ان تكون كلها او بعضها سرية لا يحضرها غير ذوي العلاقة بالدعوى , وهذا النص يتعلق بأجراءات المحاكمة , ولم نجد نصا مرادفا له لعلنية التحقيق اذ ان الاجراءات التي يتخذها قضاة التحقيق تتسم بالسرية عادة ما عدا ما ورد ذكرهم فى المادة 57/ب من قانون اصول المحاكمات الجزائية التي تنص على : – ( للمتهم وللمشتكي وللمدعي بالحق المدني  والمسؤول مدنيا عن فعل المتهم ووكلائهم ان يحضروا اجراءات التحقيق , وللقاضي او المحقق ان يمنع ايا من الحضوراذا اقتضى الامر ذلك لاسباب يدونها في في المحضر على ان يسمح لهم بالاطلاع على التحقيق بمجرد زوال الضرورة ) .

ومن هذا النص يتضح جليا امى اجراءات التحقيق سرية الا ممن ذكروا اعلاه واحكام مقيدة .

الخلاصة

مما تقدم ومن قراءة النصوص الدستورية والقانونية يتضح الاتي : -

1-    ان عرض المتهمين في مرحلة التحقيق وامام وسائل الاعلام والفضائيات  يتناقض وحكم الفقرة ب من المادة 57 من قانون اصول المحاكمات الجزائية المرقم 23 لسنة 1971 التي بينت وعلى وجه التحديد الاشخاص الممكن حضورهم اجراءات التحقيق , واعتمدت مبدأ سرية الاجحراءات التنفيذية , فضلا عما تقدم فقد تحكم محاكم الموضوع بالافراج عن المتهمين لعدم كفاية الادلة , وبذلك تكون الاجهزة التنفيذية قد ارتكبت خطأ كبيرا بحق المتهمين عندما كسرت حاجز السرية في التحقيق  نال من كرامتهم وانسانيتهم وشوهت سمعتهم  من دون سبب قانوني  ولا تبرير .

2-     ان الطريقة التي يعرض فيها المتهمين على وسائل الاعلام توحي للمتلقي العادي بأنهم مدانين استحقوا جراء ذلك اطلاع الجمهور على افعالهم , وهذا الفعل يتناقض تماما مع المبدأ الدستوري الذي ينص على : – ( المتهم بريء حتى تثبت ادانته ..) فضلا عن كونه امر  يخالف القانون .

3-    ان الزام المتهمين ارتداء بدلات فاقعة الالوان اجراء لاسند له من القانون ولم يرد في نص قانوني لا بل انه مخالف لضمانات المتهم التي سطرتها الامم المتحدة التي اوجبت ان يلبس المتهم ملابسه الخاصة   , وما هذه البدلات فاقعة الالوان الا بدعة جلبها الاحتلال من دون سند قانوني وتستحق الاسف والادانة على ممارستها .

4-    ان هذه الممارسات الخاصة بعرض المتهمين على وسائل الاعلام  لا يمكن ان تكون بأذن من قاضي التحقيق , لكون قاضي التحقيق لا يصدر امرا من دون نص قانوني , بل تصرفات انفردت بها الجعات التنفيذية حسب .

5-    ما نشاهده عبر وسائل الاعلام هورجل الشرطة اوالجيش يتصرف مع المتهم وكأنه مدان فعلا ويسترسل بمناقشة الادلة , ولما كانت الاحكام العامة تمنع قاضي التحقيق من مناقشة الادلة , فأن هذا المنع ومن – باب اولى – ان ينال ضباط الشرطة والجيش ,اذ ان فعلهم هذا يشكل مخالفة صريحة للقانون .